فوزي آل سيف

29

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

2/ تؤرخ هذه الزيارة لحياة أمير المؤمنين صلوات الله عليه منذ كان صغيرًا في خدمة رسول الله كأول المؤمنين به والسابقين إلى التصديق به، وتعرض إلى جهاده وحروبه في صف رسول الله صلى الله عليه وآله كبدرٍ والأحزاب وخيبر وحنين، مستشهدة بآيات القرآن الكريم في ذلك، كما تؤرخ لواقعة الغدير وتفاصيلها، حتى إذا غادر النبي المصطفى هذه الحياة الدنيا وحصل الانقلاب على وصاياه، تناولت أمر مظلومية فاطمة الزهراء عليها السلام، حتى أنه ردت شهادة الحسنين وأبيهما في حقها! وبينت لماذا اتخذ أمير المؤمنين موقف الصبر لمصلحة الدين، وأن ذلك لم يكن عن خوف أو ضراعة فما اتقى ضارعًا ولا أمسك عن حقه جازعًا ولا أظهر الرضا بخلاف ما يرضي الله مداهنًا ولا استكان عن طلب حقه مراقبًا! وإذا كان جزء مهم من حياة الإمام قد وقع في أيام خلافته الظاهرية فإن الزيارة ـ بلسان الإمام الهادي عليه السلام ـ قد تناولت ما وقع فيها من حروب وفتن، فالزيارة تثبت أن قضية الجمل كان يحركها الطمع والنفاق فقد فضح الإمام الناكثين في بدو حركتهما عندما قالا: نُريدُ الْعُمْرَةَ! فقال لهما: ما تُريدانِ الْعُمْرَةَ لكِنْ تُريدانِ الْغَدْرَةَ! وبينما جدد عليهما الميثاق فقد جدّا كما تقول الزيارة في النفاق. وأما قاسطو صفين فقد مزقت الزيارة ستورهم، وجلودهم، بعدما كانوا "لا يَدينُونَ دينَ الْحَقِّ، وَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ" بل هم " هَمَجٌ رَعاعٌ ضالّوُنَ، وَبِالَّذي اُنْزِلَ عَلى مُحَمَّد في علي عليه السلام كافرِونَ" ولا غرابة في ذلك فعدوُّ عليٍّ "عَدُوُّ اللهِ جاحِدٌ لِرَسُولِ اللهِ يَدْعُو باطِلاً، وَيَحْكُمُ جائِراً، وَيَتَاَمَّرُ غاصِباً، وَيَدْعُو حِزْبَهُ اِلَى النّارِ، وَعَمّارٌ يُجاهِدُ وَيُنادي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ: الرَّواحَ الرَّواحَ اِلَى الْجَنَّةِ، وَلَمَّا اسْتَسْقى فَسُقِيَ اللَّبَنَ كَبَّرَ وَقالَ: قالَ لي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: آخِرُ شَرابِكَ مِنَ الدُّنْيا ضَياحٌ مِنْ لَبَن، وَتَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْباغِيَةُ، فَاعْتَرَضَهُ اَبُو الْعادِيَةِ الْفَزارِيُّ فَقَتَلَهُ، فَعَلى اَبِي الْعادِيَةِ لَعْنَةُ اللهِ وَلَعْنَةُ مَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ اَجْمَعينَ، وَعَلى مَنْ سَلَّ سَيْفَهُ عَلَيْكَ وَسَلَلْتَ سَيْفَكَ عَلَيْهِ يا اَميرَ الْمُؤْمِنينَ مِنَ الْمُشْرِكينَ وَالْمُنافِقينَ اِلى يَوْمِ الدّين ". وكان بإمكان أمير المؤمنين عليه السلام في فترة ولايته أن يداهن هذا ويخادن ذاك، ويلعب على حبال المطامع كما صنع غيره قبله وبعده، ولكن إذا فعل ذلك فما فرقه عنهم؟ لقد كان تقى الإمام حاجزًا عن ذلك وهوى غيره دافعًا لأولئك فـ" َكَمْ مِنْ اَمْر صَدَّكَ عَنْ اِمْضاءِ عَزْمِكَ فيهِ التُّقى، وَاتَّبَعَ غَيْرُكَ في مِثْلِهِ الْهَوى، فَظَنَّ الْجاهِلُونَ اَنَّكَ عَجَزْتَ عَمّا اِلَيْهِ انْتَهى، ضَلَّ وَاللهِ الظّانُّ لِذلِكَ وَمَا اهْتَدى، وَلَقَدْ اَوْضَحْتَ ما اَشْكَلَ مِنْ ذلِكَ لِمَنْ تَوَهَّمَ وَامْتَرى بِقَوْلِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ: قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحيلَةِ وَدُونَها حاجِزٌ مِنْ تَقْوَى اللهِ فَيَدَعُها رَأيَ الْعَيْنِ، وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَها مَنْ لا حَريجَةَ لَهُ فِي الدّينِ". إلى أن تنتهي الزيارة إلى تمني الإمام عليه السلام الشهادة، وانتظاره أن يبعث أشقى الأمة ليخضب شيبته من هامته فكم ردد القول: "اَما آنَ اَنْ تُخْضَبَ هذِهِ مِنْ هذِهِ؟ اَمْ مَتى يُبْعَثُ اَشْقاها؟". 3/ تحتوي الزيارة على ما يقرب من 100 صفة وخاصية من صفات وخصائص أمير المؤمنين عليه السلام، فإنها بعد أن تبدأ بالسلام على رسول الله أمين الله على وحيه وعزائم أمره، إذ كان الخاتم لما سبق من الرسالات والرسل والفاتح لما يستقبل من الخير والكرامة والبركة، يعطف بالسلام على الأنبياء والمرسلين إذ كان الجميع في خط إلهي واحد. وبعدها يبدأ في ذكر خصائص الإمام وصفاته، فأنت هنا تلتقي بموسوعة من الصفات والخصائص لا يتسع مقامنا لذكرها بالكامل فلنشر لبعضها، ولنُحِل القارئ الكريم للزيارة ليتأمل بنفسه فيها؛ فهو يذكر الإمام عليه السلام باعتبار أنه أمير المؤمنين، وسيد الوصيين ووارث علم النبيين ومولى المؤمنين والنبأ العظيم، وأنه الذي آمن بالله بينما كان سواه مشركا وصدق بالنبي بينما غيره كان مكذبا وكان المقدم في الجهاد وغيره كان محجما.. فهذه خصائص لا يدعيها غيره إلا كان كاذبا. لقد كان كما يقول الإمام الهادي في الزيارة: أول من آمن بالله وصلى له وجاهد وأبدى صفحته في دار الشرك ولم يكن يعتز بغيره إذ لا تزيده كثرة الناس حوله عزة ولا تفرقهم عنه وحشة! وقد شابه سلفه الصالح من أنبياء الله وأوصيائه في خطهم ومحنتهم ولا غرابة في ذلك، فإذا كان إسماعيل امتحن بالذبح صابرًا فأجاب فإن عليًّا قد امتحن بالمبيت على فراش النبي والموت محدق به من كل النواحي، وكما استجاب إسماعيل بقوله لأبيه: افعل ما تؤمر فقد استجاب أمير المؤمنين لأخيه وابن عمه رسول الله وبات على فراشه. فنزل قوله تعالى (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرى نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللهِ).